جلال الدين السيوطي
322
الأشباه والنظائر في النحو
بمراجل الحي أجمع ، فما ظنك إذا نزل به الضيفان الكثيرون . فإن قيل : فلم أنّث المصدر أصلا ؟ وما الذي سوغ التأنيث فيه مع معنى العموم والجنس ، وكلاهما إلى التذكير ، حتى احتجت إلى الاعتذار له بقولك إنه أصل ، وإن الأصول تحتمل ما لا تحتمله الفروع ؟ . قيل : علة جواز تأنيث المصدر مع ما ذكرته من وجوب تذكيره أن المصادر أجناس للمعاني كما أن غيرها أجناس للأعيان نحو : رجل ، وفرس ، ودار ، وبستان ، فكما أن أسماء الأجناس الأعيان قد تأتي مؤنثة الألفاظ ، ولا حقيقة تأنيث في معناها ، نحو غرفة ومشرقة ، وعلية ، ومروحة ، ومقرمة ، كذلك جاءت أيضا أجناس المعاني مؤنثا بعضها لفظا لا معنى . وذلك نحو المحمدة والموجدة والرشاقة ونحوها ، نعم ، وإذا جاز تأنيث المصدر وهو على مصدريته غير موصوف به لم يكن تأنيثه وجمعه وقد جرى وصفا وحل المحلّ الذي من عادته أن يفرق فيه بين مذكره ومؤنثه ، وواحده وجماعته ، قييحا ولا مستكرها ، أعني ضيفة وخصمة وأضيافا وخصوما ، وإن كان التذكير والإفراد أقوى في اللغة وأعلى في الصنعة ، قال تعالى : وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] وإنما كان التذكير والإفراد أقوى من قبل أنك لما وصفت بالمصدر أردت المبالغة بذلك ، وكان من تمام المعنى وكماله أن تؤكد ذلك بترك التأنيث والجمع ، كما يجب للمصدر في أول أحواله ، ألا ترى أنك إذا أنثت وجمعت سلكت به مسلك الصفة الحقيقية التي لا معنى لمبالغة فيها ، نحو قائمة ، ومنطلقة ، وضاربات ، ومكرمات ، فكان ذلك يكون نقضا للغرض ، أو كالنقض له ، فلذلك قلّ حتى وقع الاعتذار لما جاء منه مؤنثا ، أو مجموعا . ومما جاء من المصادر مجموعا ومعملا أيضا قوله : [ الطويل ] « 232 » - [ وعدت وكان الخلف منك سجيّة ] * مواعيد عرقوب أخاه بيثرب ومنه عندي قولهم : « تركته بملاحس البقر أولادها » « 1 » فالملاحس جمع ملحس ، ولا يخلو أن يكون مكانا ، أو مصدرا ، فلا يجوز أن يكون هنا مكانا لأنه قد
--> ( 232 ) - الشاهد لابن عبيد الأشجعي في خزانة الأدب ( 1 / 58 ) ، وللأشجعي في لسان العرب ( ترب ) و ( عرقب ) ، ولعلقمة في جمهرة اللغة ( ص 1123 ) ، وللشماخ في ملحق ديوانه ( ص 430 ) ، وشرح أبيات سيبويه ( 1 / 343 ) ، وللشماخ أو للأشجعي في الدرر ( 5 / 245 ) ، وشرح المفصّل ( 1 / 113 ) ، وبلا نسبة في الكتاب ( 1 / 328 ) ، وجمهرة اللغة ( ص 173 ) ، والمقرب ( 1 / 131 ) . ( 1 ) انظر المستقصى في الأمثال ( 2 / 25 ) رقم المثل ( 84 ) ، ومجمع الأمثال رقم ( 672 ) .